عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

134

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

والمائة دينار ، ولو لم يكن في نفسك شح لما نبهتني عليها ، قال : فذهب وجلس في بيته سنة لا يتكلّم إلى أحد ، ولا يخرج إلا لصلاة الجمعة ، فاجتمع الناس على بابه يسألونه أن يتكلّم عليهم فامتنع ، فلما ألزموه خرج فوافى عصافيرا على سدرة في الدار ، فلما رأته فرّت فرجع وقال : لو صلحت للحديث عليكم لم تفر مني الطيور ؛ لأن العبد إذا تحقق فيه الخوف أمن منه كل شيء ، ثم رجع وجلس في البيت سنة أخرى ، ثم خرج فلم تهرب الطيور ، فتكلّم على الناس فلم يتم الشيخ من كلامه حتى جاءت الطيور ، ودارت حوله ، وعكفت عليه ، فتواجد وأنشد أبياتا منها : توجع من أمراض وحرقة مطالبي * وإشفاق مهموم وحزن كئيب ولوعة مشتاق وزفرة واله * وشفيت سقام بغير طبيب ألم تقلب حيرته طوارق * من الشّوق حتّى ذلّ ذل غريب فكأنّما أسمانا وبي محبّة * نور واستكنت في فؤاد حبيب قال : فهاج الناس وضجّ أهله ، وما زال طائر من تلك الطيور يصفق بجناحيه حتى تقطعت ، ومات رجل ممن كان حاضرا . الحكاية الثالثة والستون عن أبي محمد عبد اللّه بن أبي بكر الصنهاجي « 1 » قال : صليت إلى جانب الشيخ أبي مدين

--> ( 1 ) هو أبو العباس بن العريف الصنهاجي ، شيخ العارف ابن عربي - رضي اللّه عنهما - كان من أكابر الأعيان ، ومن أعاظم أهل الشأن ، صوفي همى على المريد سحابه ، وأنار في أفق الطريق شهابه ، وكان يقول في دعائه : اللهم إنك سددت باب النبوة والرسالة دوننا ولم تسد باب الولاية . اللهم مهما عينت أعلى رتبة في الولاية لأعلى ولي عندك فاجعلني ذلك الولي . قال تلميذه العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : فهذا من المحقين الذين طلبوا ما يمكن أن يكون حقا لهم . ولقي في سياحته أحد الأبدال وهو يمشي على وجه الماء ، فأخذ يذكر له ما الناس عليه من فساد أحوال الملوك والرعايا ، فغضب البدل وقال : مالك وعباد اللّه لا تدخلن بين السيد وعبده ، فإن الرحمة والمغفرة والإحسان لهؤلاء ، أتريد أن تبقى الألوهية معطلة الحكم ؟ اشتغل بنفسك ، وليكن نظرك إلى اللّه تعالى وشغلك . قال العارف ابن عربي رضي اللّه عنه : وقد دخلت على شيخنا هذا وأنا في مثل هذا الحال في بدايتي ، وقد تكدّر علي وقتي لما أرى الناس فيه من مخالفة الحق فقال : عليك باللّه ، فخرجت من عنده ودخلت على شيخنا أبي عمران -